الكلمتان صحيحتان، وكل واحدة لها مكانها. «كُرَة» بضم الكاف وفتح الراء هي الصيغة الفصيحة التي تكتبها في الجريدة والكتاب. أما «كورة»، وينطقها المصريون بواو طويلة (kōra)، فهي الكلمة نفسها بعد أن مرت على لسان العامية، أي أنها موروثة من العربية الفصحى، وليست مستوردة من الإنجليز أو الطليان كما يظن كثيرون.
يكتب الناس في جوجل «كورة ولا كرة» ثم يخرجون بإجابة نصفها قواعد إملاء ونصفها تخمين. والسؤال يستحق إجابة أوضح، لأن خلفه حكاية تبدأ بلعبة الصولجان في كتب العرب القدامى، وتمر بمعسكر العباسية حيث كان المصريون يتفرجون على الجنود البريطانيين من وراء السلك الشائك، وتنتهي في مدرجات تهتف بكلمة إيطالية الأصل.
الكلمة عربية إذن. والذي جاء من بريطانيا هو اللعبة الحديثة ومعها قاموس كامل: جون وماتش وبلنتي وفاول. ثم أضاف الفرنسيون «الإستاد»، وأضاف الإيطاليون «الألتراس». وتعرض الأقسام التالية كل كلمة من هذه وأصلها، مرتبة من السؤال الأبسط إلى التفاصيل.
كورة ولا كرة: أيهما الصحيح؟
«كُرَة» هي الصحيحة في الفصحى، و«كورة» صحيحة في العامية المصرية، وكلتاهما تدل على الشيء نفسه. لذلك فالسؤال ليس عن الصواب والخطأ، وإنما عن المستوى اللغوي الذي تكتب به.
إذا كنت تكتب خبراً صحفياً أو بحثاً مدرسياً أو منشوراً رسمياً فاكتب «كرة القدم». وإذا كنت تكتب تعليقاً على فيسبوك بلهجتك، أو حواراً لشخصية في رواية أو مسلسل، فكلمة «كورة» هي الطبيعية، ولو كتبت فيها «كرة» لبدت الجملة متكلفة. والقاعدة سهلة: الفصحى لها «كرة»، والكلام المحكي له «كورة».
وفي العامية المصرية معنيان لكلمة «كورة»: الكرة نفسها، كأن تقول «هات الكورة»، واللعبة كلها، كأن تقول «بيحب الكورة». وعندما يريد المتكلم التحديد يقول «كورة قدم»، وتُنطق «كورِت قدم». أما الجمع فله ثلاث صيغ مسموعة هي «كُوَر» و«كِوَر» و«كورات»، ومن الكلمة جاءت كلمات أخرى مثل «كروي» و«كورة شراب» و«كورة طايرة».
من أين جاءت كلمة «كورة»؟
أصل «كورة» هو الكلمة العربية الفصحى «كُرَة» بمعنى الكرة. والذي حدث أن العامية مدّت الضمة القصيرة على الكاف حتى صارت واواً طويلة، فلم تأتِ الكلمة من «كور» الإنجليزية ولا من أي لغة أوروبية.
منشأ الالتباس مفهوم. فقد وصلت كرة القدم الحديثة إلى مصر مع الإنجليز، وأغلب ألفاظ الملعب المصرية إنجليزية، فيفترض الناس أن كلمة «كورة» لا بد أنها جاءت مع الباقي. لكن المعاجم التي تتتبع أصول الألفاظ تصنفها كلمة موروثة من العربية، ومعناها هو معناها القديم نفسه.
ويدعم ذلك أن المصريين ليسوا وحدهم في هذا النطق. ففي اللهجة الحجازية يقولون «كورة» للكرة ولكرة القدم معاً، ويقولون «كورة سلة» لكرة السلة. وفي المغرب يقولون «كورة» أيضاً، ويجمعونها على «كواري» أو «كورات». ومن الصعب أن تقترض لهجات متباعدة إلى هذا الحد الكلمة نفسها من لغة أجنبية في وقت واحد، والأقرب أن كلاً منها ورث الكلمة العربية ونطقها بطريقته.
وهناك تفصيلة تُربك من يبحث في المعاجم القديمة، وهي كلمة أخرى تُكتب «كُورة» بالواو في الفصحى نفسها. لكن معناها الإقليم أو المقاطعة الإدارية، وقد دخلت العربية من السريانية «كورا»، وأصلها اليوناني «خورا». فهي مجرد تشابه في الحروف، ولا علاقة لها بالكرة التي نلعب بها.
ما الفرق بين كُرة وكَرّة وكورة لغوياً؟
الفرق في الحركات والتشديد، وهو الذي يغير المعنى كله. «كُرَة» بضم الكاف وفتح الراء هي الكرة، و«كَرّة» بفتح الكاف وتشديد الراء معناها المرة أو الهجمة، و«كورة» هي النطق العامي لـ«كُرَة».
جمع «كُرَة» في الفصحى «كُرات»، وورد لها جمع نادر هو «كُرون» و«كُرين»، ولن تسمعه اليوم إلا من مهتم بالمعاجم. أما «كَرّة» فجمعها «كَرّات»، ومنها التعبير المعروف «الكَرّ والفَرّ» في وصف القتال، أي الهجوم والانسحاب.
ولأن العربية تُكتب في العادة بلا تشكيل، فإن «كرة» و«كرة» تبدوان على الورق كلمة واحدة، والسياق هو الذي يفصل بينهما. ولعل هذا من أسباب انتشار كتابة «كورة» بالواو على الإنترنت، فالواو تحسم النطق وتمنع الخلط، حتى لو خرجت بالكلمة من الفصحى إلى العامية.
ونصيحة عملية لمن يكتب بالفصحى ويريد الدقة: شكّل الكاف بالضمة في أول ظهور للكلمة إذا كان في الجملة احتمال لبس، واكتب «كرة القدم» كاملة في العناوين، لأن الناس يبحثون بها أكثر من «الكرة» وحدها.
هل عرف العرب لعب الكرة قبل الإنجليز؟
نعم. لعب العرب بالكرة قبل كرة القدم الحديثة بقرون، وأشهر ألعابهم «الصولجان»، وهي لعبة قريبة من البولو، تُضرب فيها الكرة بعصا معقوفة. ومن هنا كانت كلمة «كرة» مستعملة في العربية قبل أن يصل أي جندي بريطاني إلى القاهرة بزمن طويل.
ولم يكن الأطباء يرون في هذه اللعبة لهواً فقط. فقد كتب ابن النفيس في كتابه «الموجز في الطب» أن اللعب بالصولجان «رياضة للبدن والنفس»، ونقل كتاب «لعب العرب» هذا الرأي ضمن ما جمعه عن ألعاب العرب القدامى.
وسجلت المعاجم القديمة أيضاً أفعالاً خاصة باللعب بالكرة. فـ«مَقَط الكرة» معناه أنه ضرب بها الأرض ثم التقطها بعد أن ارتدت، وهي الحركة التي يؤديها لاعب كرة السلة اليوم. وفي المعاجم عبارة «تجاحف الفتيان الكرة بالصوالجة»، أي تنازعوا عليها وكل منهم يزاحم الآخر ليصل إليها أولاً. ومعنى ذلك أن العربية امتلكت كلمة للكرة وأفعالاً للعب بها، ثم جاءت اللعبة البريطانية الحديثة بقاموس جديد فوق هذا الأساس.

كيف دخلت كرة القدم الحديثة إلى مصر؟
دخلت مع الاحتلال البريطاني سنة 1882. كان الجنود الإنجليز يلعبونها في معسكراتهم بالقاهرة والإسكندرية، وكان المصريون يتفرجون ثم يقلدونها في الشوارع والحواري.
في معسكر العباسية وقف المصريون يتفرجون على مباريات الجنود البريطانيين من وراء السلك الشائك، وتكرر المشهد نفسه في الإسكندرية في المكان الذي يقوم عليه استاد الإسكندرية اليوم. وكان أحد ضباط سلاح المهندسين الملكي البريطاني، الكابتن بيلهام فون دونوب، يشجع انتشار اللعبة بين الجنود المصريين.
ولم تحظَ اللعبة بالترحيب في البداية. ففي 26 يناير 1898 نشرت جريدة الأهرام مقالاً بعنوان «رياضة الأبدان ورياضة الأذهان» وصفت فيه كرة القدم بأنها «بدعة إنجليزية». وكان المصريون في تلك الفترة يسمونها باسمها الإنجليزي «الفوتبول»، ودخلت الكلمة الشعر نفسه، إذ كتب أحمد شوقي في قصيدته «وداع اللورد كرومر» سنة 1907: «تذر العلوم وتأخذ الفوتبولا». ولم يكن الشطر مدحاً للعبة، فقد استعملها شوقي في سياق هجائه لسياسة كرومر في التعليم.
ثم أخذت اللعبة مكانها في المؤسسات. فبحسب برنامج «الكرة في مصر» للدكتور ياسر ثابت، جعل ناظر المعارف محمد زكي باشا الرياضة مادة أساسية سنة 1892، وأسس عمال السكة الحديد «نادي السكة الحديد» سنة 1903. وتأسس النادي الأهلي يوم 24 أبريل 1907، وعُقد أول اجتماع لمجلس إدارته في بيت ميتشل إنس بالجيزة، وكان إنس أول رئيس للنادي. وبعده تأسس الزمالك يوم 5 يناير 1911 باسم «نادي قصر النيل»، ثم الاتحاد المصري لكرة القدم سنة 1921، الذي انضم إلى الفيفا سنة 1923. وبين المقال الذي سماها «بدعة» والانضمام إلى الفيفا خمس وعشرون سنة فقط. وفي يوم السبت 24 أبريل 2027 يتم الأهلي 120 عاماً.

من أين جاءت كلمات الكورة المصرية الغريبة؟
جاء معظمها من الإنجليزية مع اللعبة نفسها، ثم دخلت كلمة من الفرنسية هي «إستاد»، وكلمة من الإيطالية هي «ألتراس». وبقيت «كورة» وحدها الكلمة العربية الأصيلة بين ألفاظ الملعب الشائعة.
أشهر هذه الكلمات «جون» بمعنى الهدف، وأصلها الإنجليزية goal، وقد تحولت اللام في آخرها إلى نون بتأثير صوتي، ثم صاغ المصريون لها جمعاً عربياً هو «أجوان»، كما يُجمع «لون» على «ألوان». وكلمة «ماتش» من match وجمعها «ماتشات». و«البلنتي» من penalty، وتقابلها في الفصحى «ركلة جزاء». ويقول المصريون «فاول» لأي مخالفة لقوانين اللعبة، و«أوف سايد» للتسلل، و«هاتريك» عندما يسجل لاعب ثلاثة أجوان في ماتش واحد.
أما «إستاد» فجاءت من الفرنسية، ومعناها ملعب دائري تحيط به مدرجات المتفرجين. ولا يبدو ذلك غريباً، فالفرنسية كانت لغة النخبة والإدارة في مصر لفترة طويلة، ودخلت العامية منها كلمات كثيرة خارج الرياضة أيضاً.
والكلمة الإيطالية الوحيدة في قاموس المدرجات هي «ألتراس». أصلها لاتيني ومعناه «المتطرفون»، واستُعمل الاسم لأول مرة في إيطاليا سنة 1969، حين أطلق جمهور سامبدوريا على نفسه «ألتراس تيتو كوكياروني» وأطلق جمهور تورينو على نفسه «ألتراس جراناتا»، وإن كان أصل الحركة نفسها لا يزال محل خلاف. ووصلت الكلمة إلى مصر سنة 2007 مع تأسيس رابطتي «ألتراس أهلاوي» و«وايت نايتس» لجمهور الزمالك. والطريف أن كلمة football الإنجليزية نفسها قديمة جداً، فأقدم استعمال مكتوب لها في وصف اللعبة يعود إلى سنة 1409 بحسب قاموس أكسفورد، بل إن الملك إدوارد الثالث منع كرة القدم مع ألعاب أخرى سنة 1363، أي أن اللعبة كانت تقلق السلطات قبل أن يصفها الأهرام بالبدعة بأكثر من خمسة قرون.

أهم النقاط
- «كُرَة» صحيحة في الفصحى، و«كورة» صحيحة في العامية، والاختيار بينهما يتبع مقام الكتابة.
- «كورة» موروثة من العربية الفصحى، ولم تأتِ من الإنجليزية أو الإيطالية.
- يقول الحجازيون والمغاربة «كورة» أيضاً، فالنطق بالواو ليس خاصاً بالمصريين.
- «كَرّة» بالتشديد كلمة أخرى معناها المرة أو الهجمة، و«كُورة» القديمة بمعنى الإقليم أصلها يوناني عبر السريانية.
- دخلت كرة القدم الحديثة مصر سنة 1882 مع الاحتلال البريطاني، وكان اسمها في البداية «الفوتبول».
- جون وماتش وبلنتي وفاول وأوف سايد وهاتريك كلمات إنجليزية، وإستاد فرنسية، وألتراس إيطالية ظهرت سنة 1969.
- تأسس الأهلي في 24 أبريل 1907، والزمالك في 5 يناير 1911، والاتحاد المصري سنة 1921.
أسئلة شائعة
ما جمع كلمة كورة في العامية المصرية؟
للكلمة ثلاث صيغ جمع في العامية المصرية هي «كُوَر» و«كِوَر» و«كورات». أما في الفصحى فجمع «كُرَة» هو «كُرات».
هل كلمة «جون» عربية؟
لا، أصلها الإنجليزية goal بمعنى الهدف، وتحولت اللام في آخرها إلى نون في النطق المصري. ثم جمعها المصريون جمعاً عربياً على «أجوان».
ما معنى كلمة ألتراس وما أصلها؟
أصلها لاتيني ومعناه «المتطرفون»، وظهر الاسم في مدرجات الكرة الإيطالية سنة 1969 مع جماهير سامبدوريا وتورينو. وفي مصر تأسست «ألتراس أهلاوي» و«وايت نايتس» سنة 2007.
ما معنى كورة شراب وكورة طايرة؟
«كورة الشراب» هي الكرة التي يصنعها الأطفال في الحواري من الجوارب المحشوة، لأن «الشراب» في العامية المصرية هو الجورب. أما «الكورة الطايرة» فهي الاسم المصري الشائع للكرة الطائرة.
كيف أكتب «كرة القدم» صح في موضوع تعبير؟
اكتب «كرة القدم» بالتاء المربوطة ومن غير واو، فهذه هي الصيغة الفصيحة. واستعمل «ركلة جزاء» بدل «بلنتي»، و«هدف» بدل «جون»، و«مباراة» بدل «ماتش».
متى عرفت مصر كرة القدم؟
عرفت مصر كرة القدم الحديثة مع الاحتلال البريطاني سنة 1882، حين كان الجنود الإنجليز يلعبونها في معسكرات القاهرة والإسكندرية. وتأسس أول اتحاد مصري للعبة سنة 1921، وانضم إلى الفيفا سنة 1923.
الخلاصة
في المرة القادمة التي تتردد فيها بين «كورة» و«كرة»، لا تسأل عن الصواب والخطأ، بل اسأل لمن تكتب. التعليق والدردشة والحوار لها «كورة»، والمقال والبحث والخطاب الرسمي لها «كرة القدم». والأهم أن الحكاية تقلب الافتراض الشائع: الكلمة الوحيدة التي ظنها الناس مستوردة هي الكلمة العربية الأصيلة في قاموس الملعب كله، أما الجون والماتش والبلنتي والإستاد والألتراس فهي الوافدة فعلاً. والقاموس لم يتوقف عن الزيادة، فكل جيل من المشجعين يضيف إليه كلمات جديدة، ومن الكلمات الأجنبية الحالية ما سيصير بعد سنوات جزءاً عادياً من العامية، كما صارت «أجوان» من قبل.