«كابوريا» فيلم مصري عن الملاكمة، عُرض أول مرة في مصر يوم الاثنين 27 أغسطس 1990، ومدته 110 دقائق. أخرجه خيري بشارة عن سيناريو لعصام الشماع، ولعب فيه أحمد زكي دور «حسن هدهد»، الشاب الفقير الذي يحلم بالأولمبياد فيجد نفسه يلاكم للتسلية في قصر مليونير. ومن الفيلم خرجت قصة الشعر المحلوقة التي عرفها الشارع المصري باسم «الكابوريا»، وأغنية رددها الشباب وهم خارجون من السينمات.
بعد أكثر من ستة وثلاثين عاماً على عرضه، ما زال صناع الفيلم مختلفين على من فعل ماذا. من حلق رأس أحمد زكي؟ ومن صنع شخصية حسن هدهد: المؤلف على الورق، أم رجل حقيقي يحمل الاسم نفسه ويسكن صحراء المماليك؟ وفي يوليو الماضي، بعد عقود من رحيل أحمد زكي، عاد خيري بشارة ليتحدث عن خلاف معه وصل إلى القطيعة.
هذه الحكاية جزء من سيرة أطول نرويها في التقرير الرئيسي «أحمد زكي: الحكاية الكاملة لـ«النمر الأسود» من يتيم الزقازيق إلى إمبراطور السينما المصرية». أما هنا فنقترب من فيلم واحد: كيف كُتب، ولماذا كاد لا يُصنع، وكيف تحوّل ممثل في منتصف مشواره إلى ملاكم من حي شعبي يقلده الشباب في قصة شعره.
ما قصة فيلم كابوريا؟
يحكي «كابوريا» عن حسن هدهد، شاب فقير يحب الملاكمة ويحلم بالمشاركة في الأولمبياد، فيجد نفسه لعبة في يد زوجين ثريين. تدعوه «حورية»، التي أدت دورها رغدة، هو وصديقيه لخوض مباريات ملاكمة في قصرها مقابل المال، فيفوز ويستقر في القصر.
زوج حورية هو المليونير «سليمان»، ولعب دوره حسين الإمام، منتج الفيلم ومؤلف موسيقاه التصويرية في الوقت نفسه. تحاول حورية إغواء حسن فيرفض، فتنتقم منه. عندها يفهم أن الحلبة المنصوبة في الحديقة لم تكن طريقاً إلى الأولمبياد، وأنها كانت مسرحاً لتسلية الأغنياء. يترك المال ويعود إلى حارته الشعبية ليبدأ من جديد.
الحبكة بسيطة، وما يجعلها أثقل هو المسافة بين عالمين. في الحارة رياضة تمارس بالحلم وبلا إمكانيات، وفي القصر رياضة تُشترى وتُتفرج عليها النخبة كما تتفرج على عرض سيرك. شارك في الفيلم أيضاً سحر رامي وشفيق جلال ومحمد لطفي ويوسف داود، وصوّره محسن أحمد، وتولى أحمد متولي المونتاج.

لماذا صنع خيري بشارة فيلماً عن ملاكم من الحارة؟
أراد خيري بشارة أن يقدم الواقعية بنبرة أخف. فقد قال إن أحد المشاهدين أخبره أن فيلمه السابق «يوم مر ويوم حلو» أصابه بذبحة صدرية، فقرر أن يجرب طريقاً آخر.
كان بشارة واحداً من مخرجي ما عُرف بالواقعية الجديدة في السينما المصرية خلال الثمانينيات، وأفلام هذا الجيل نزلت إلى الشوارع والبيوت الفقيرة بكاميرا قاسية في الغالب. «كابوريا» احتفظ بالحارة وبالفقر وبالفوارق الطبقية، لكنه أضاف إليها الأغنية والرقص والألوان الصارخة والإيقاع الخفيف. والنتيجة فيلم يصعب تصنيفه، وهذا ما سبب له المتاعب لاحقاً.
كتب عصام الشماع السيناريو سنة 1989، وعُرض الفيلم سنة 1990. وبين التاريخين كاد المشروع يتوقف. ففي ندوة ضمن الدورة الثانية عشرة لمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، التي أقيمت بين 27 أبريل و2 مايو 2026، حكى بشارة أن منتجاً كبيراً تعاقد معه على الفيلم، ثم قرأ السيناريو وطلب استرداد العربون. لم يتراجع بشارة، وانتهى الفيلم إنتاجاً لحسين الإمام.
كيف دخل أحمد زكي شخصية حسن هدهد؟
اختار خيري بشارة أحمد زكي لأنه، بتعبيره، «ممثل جميل» يتمتع بأداء رشيق، ولأن لديه تجربة رياضية سابقة في فيلم «النمر الأسود». قال بشارة ذلك في حوار مع مجلة «آخر ساعة» سنة 1990.
تجربة «النمر الأسود» منحت أحمد زكي جسد الملاكم وحركته. لكن حسن هدهد مختلف عن بطل ذلك الفيلم. هو ابن حي شعبي قاهري، يتكلم بسرعة، ويمزح ويغضب في اللحظة نفسها، ويحمل حلماً أكبر من ظروفه. وكان على زكي أن يصل إلى هذه اللغة وهذه العصبية الخفيفة.
هنا تظهر رواية تثير الجدل حتى اليوم. رجل حقيقي اسمه حسن هدهد قال في برنامج «صاحبة السعادة» مع إسعاد يونس على قناة CBC إن الشخصية مأخوذة عنه، وإن أحمد زكي عاش معه أياماً في منطقة صحراء المماليك، وإن معظم ما قالته الشخصية على الشاشة جاء من كلامه هو. وتختلف المصادر في عدد هذه الأيام بالتحديد، لكنها تتفق على أنها فترة قصيرة.
المؤلف عصام الشماع ينفي ذلك. قال لموقع مصراوي: «أنا اللي كاتب حسن هدهد»، وأكد أنه هو من اختار الاسم. ثم ترك باباً مفتوحاً، فقال إن أحمد زكي ربما قابل هذا الرجل دون أن يعرف هو بذلك. والروايتان لا تتعارضان بالضرورة. فقد يكتب المؤلف الشخصية على الورق، ويذهب الممثل إلى الشارع بحثاً عن نموذج يسمع منه طريقة الكلام. وهذا يتسق مع ما يُروى عن أسلوب أحمد زكي في التحضير لأدواره.
من حلق رأس أحمد زكي؟ حكاية قصة شعر الكابوريا
تتنازع على قصة الشعر روايتان: أحمد زكي قال إنه حلق رأسه بنفسه، وخيري بشارة يقول إنه هو من فرض الحلاقة عليه. والثابت أن القصة المحلوقة على طريقة الملاكم الأمريكي مايك تايسون انتشرت بعد الفيلم بين الشباب في مصر، وعُرفت باسم «الكابوريا».
رواية أحمد زكي، كما قالها في لقاء تلفزيوني، أن المدرب أخبره أنه يشبه تايسون في الدور، فقرر أن يحلق مثله. أمسك الماكينة بيده وحلق نصف رأسه، ثم أكمل خيري بشارة النصف الآخر.
في أغسطس 2022 كتب بشارة رواية مختلفة على فيسبوك. قال إنه هو من قرر الحلاقة بعد أن لاحظ أن الملاكمين الشعبيين يحلقون رؤوسهم مثل تايسون، وإنه أحضر الحلاق وهدد بإيقاف التصوير إذا رفض زكي. ولم يكتف بذلك، فاتهم أحمد زكي وعصام الشماع بالكذب، وكتب: «كلاهما يكذب والنجاح الهائل دائما ما يأتي بالأكاذيب». وفي حديثه لبوابة الأهرام قال إن زكي رفض في البداية أن يحلق على طريقة تايسون، ثم غيّر رأيه وذاب في الشخصية تماماً.
الناقد طارق الشناوي رأى أن الروايتين قد تكونان صحيحتين معاً: اعترض أحمد زكي أولاً، ثم اقتنع وحلق في غرفته. ورفض الشناوي أن يُتهم زكي بالكذب بعد رحيله، وهو لم يعد قادراً على الرد. أما رغدة فقالت لصحيفة الشرق الأوسط يوم الاثنين 8 أغسطس 2022 إن هذا الجدل «غير مبرر». ويبدو حكمها منطقياً: فالمشاهد لا يهمه من أمسك الماكينة، وما بقي هو رأس حليق صار علامة على جيل كامل.

من أين جاء اسم «كابوريا» ولماذا غنّى أحمد زكي؟
الاسم خرج من لسان خيري بشارة نفسه. حكى المخرج أنه كان يردد كلمة «كابوريا» كثيراً، وعندما كان حسين الإمام يبحث عن كلمة يلحنها اختارها للأغنية، وغناها أحمد زكي.
والكابوريا في العامية المصرية هي السلطعون، الكائن الذي يمشي بالعرض ويقرص من يقترب منه. لم يشرح صناع الفيلم سبب اختيار الكلمة أكثر من ذلك، وأي ربط بينها وبين شخصية حسن هدهد العنيدة يبقى قراءة نقدية وليس رواية موثقة. ما نعرفه أن الكلمة صارت عنواناً للفيلم واسماً للأغنية ثم لقصة الشعر، أي أنها لصقت بأحمد زكي من ثلاث جهات.
لم تكن هذه المرة الوحيدة التي غنى فيها أحمد زكي. فقد غنى أيضاً في «البيضة والحجر» و«مستر كاراتيه» و«هيستيريا» سنة 1998. ويرى طارق الشناوي أن غناء الممثلين كان موضة في تلك الفترة، لكن إحساس أحمد زكي كان أقوى من الأغاني نفسها. بمعنى آخر، لم يكن صوته هو ما جعل الناس يرددون الأغنية، وإنما الطريقة التي غنى بها كحسن هدهد.
ويعكس موقع الفيلم في القوائم هذا الجانب. فقد دخل «كابوريا» قائمة أفضل 100 فيلم غنائي مصري التي أعدها مهرجان الإسكندرية السينمائي، ضمن المجموعة الواقعة بين المركزين 51 و60. فيلم عن الملاكمة ينتهي في قائمة للأفلام الغنائية، وهذا وحده يلخص طبيعته الهجينة.
كيف استقبل الجمهور «كابوريا» وماذا بقي منه؟
هاجم الحاضرون الفيلم بقوة في العرض الخاص، ووصفه بعضهم بأنه «تجريبي»، ثم أعاده الجمهور العادي إلى الحياة. فقد قال خيري بشارة إنه فوجئ بعد ذلك بالشباب يخرجون من السينمات وهم يغنون أغنية الفيلم، وإن هذا المشهد أعاد إليه ثقته.
تقول رغدة إن الفيلم استمر في دور العرض سنة كاملة، وإنها حصلت عن دورها في شخصية حورية على جائزة أفضل ممثلة في الدورة الأولى لمهرجان الأفلام الروائية. والمفارقة أن الفيلم الذي خاف منه منتج كبير فاسترد عربونه صار من أشهر أفلام أحمد زكي لدى الجيل الذي شاهده في صباه.
في الكواليس كانت هناك أيضاً قصة لم يعرفها أحد وقتها. فقد ظهرت الممثلة الأسترالية كيت بلانشيت، قبل أن تصبح نجمة في هوليوود، كومبارس في الفيلم بدور سائحة أمريكية، تشجع البطل في مشهد وترقص وتغني مع أحمد زكي وسط الجموع في مشهد آخر، ولم يتجاوز ظهورها دقائق قليلة. حكت بلانشيت أنها انتظرت ساعات وسط التراب والزحام مقابل 5 جنيهات مصرية وسندويتشات فلافل. وتختلف الروايات حول ما إذا كانت قد تقاضت المبلغ فعلاً. وعندما عادت إلى أستراليا ترك دراسة الاقتصاد، والتحقت بالمعهد الوطني للفنون الدرامية في سيدني، وتخرجت فيه سنة 1992.
أما العلاقة بين المخرج والنجم فلم تنجُ من الفيلم. ففي حوار مع الشرق الأوسط نُشر يوم الأربعاء 29 يوليو 2026، قال خيري بشارة إن الخلاف بينه وبين أحمد زكي وصل إلى القطيعة. وأوضح أن زكي كان يتدخل في أدق تفاصيل الإخراج وينشغل بلقطاته هو، بينما تمسك بشارة برؤيته للفيلم كله. هذا الكلام يقرأ الأزمة من طرف واحد، لأن أحمد زكي رحل منذ سنوات طويلة ولم يعد هناك من يروي جانبه. لكنه يساعد على فهم الجدل حول قصة الشعر: فالخلاف أقدم من منشور فيسبوك، وبدأ داخل موقع التصوير نفسه.

أهم النقاط
- عُرض «كابوريا» أول مرة في مصر يوم 27 أغسطس 1990، ومدته 110 دقائق، وهو من إخراج خيري بشارة وتأليف عصام الشماع.
- لعب أحمد زكي دور حسن هدهد، الملاكم الفقير الذي يصبح لعبة في قصر الزوجين الثريين حورية (رغدة) وسليمان (حسين الإمام).
- أنتج حسين الإمام الفيلم ووضع موسيقاه بعد أن استرد منتج آخر عربونه إثر قراءة السيناريو.
- رجل حقيقي اسمه حسن هدهد يقول إن الشخصية مأخوذة عنه، والمؤلف ينفي ويقول: «أنا اللي كاتب حسن هدهد».
- يختلف أحمد زكي وخيري بشارة على من قرر حلق الرأس، ويرى طارق الشناوي أن الروايتين قد تكونان صحيحتين.
- اسم «كابوريا» كلمة كان بشارة يرددها، واختارها حسين الإمام للأغنية التي غناها أحمد زكي.
- تقول رغدة إن الفيلم بقي في السينمات سنة كاملة، والفيلم مدرج في قائمة مهرجان الإسكندرية لأفضل 100 فيلم غنائي مصري (المراكز 51 إلى 60).
أسئلة شائعة
هل ظهرت كيت بلانشيت في فيلم كابوريا؟
نعم، ظهرت لدقائق قليلة كومبارس بدور سائحة أمريكية، تشجع البطل وترقص مع الجموع حول أحمد زكي. حكت أنها انتظرت ساعات مقابل 5 جنيهات وسندويتشات فلافل، ثم التحقت بمعهد التمثيل في سيدني وتخرجت سنة 1992.
أين يمكن مشاهدة فيلم كابوريا؟
يُعرض الفيلم من وقت لآخر على القنوات المصرية والعربية المتخصصة في الأفلام الكلاسيكية، وقد يتوفر على منصات البث العربية. ابحث عنه بالاسم في المنصات الرسمية لتحصل على نسخة بجودة جيدة وحقوق قانونية.
ما معنى كلمة كابوريا؟
الكابوريا في العامية المصرية هي السلطعون. وفي الفيلم جاءت الكلمة من خيري بشارة الذي كان يرددها كثيراً، فاختارها حسين الإمام للأغنية، ثم صارت اسماً لقصة الشعر المحلوقة.
من غنى أغنية كابوريا؟
غناها أحمد زكي بنفسه، ولحنها حسين الإمام الذي أنتج الفيلم ووضع موسيقاه التصويرية. وقد غنى زكي أيضاً في أفلام أخرى منها «البيضة والحجر» و«مستر كاراتيه» و«هيستيريا».
هل حصل فيلم كابوريا على جوائز؟
قالت رغدة إنها نالت عن دور حورية جائزة أفضل ممثلة في الدورة الأولى لمهرجان الأفلام الروائية. كما أدرج مهرجان الإسكندرية السينمائي الفيلم في قائمته لأفضل 100 فيلم غنائي مصري.
ما الفرق بين كابوريا والنمر الأسود؟
كلاهما من بطولة أحمد زكي ويدوران في عالم الملاكمة، لكن «النمر الأسود» يحكي قصة كفاح ونجاح في الغربة، أما «كابوريا» فيستخدم الملاكمة لتصوير الفجوة الطبقية بين الحارة والقصر. واعتبر خيري بشارة تجربة زكي في «النمر الأسود» من أسباب اختياره للدور.
الخلاصة
من يعيد مشاهدة «كابوريا» اليوم سيجد أن أكثر ما يستحق الانتباه هو الخلاف بين صناعه، وليس قصة الشعر. المخرج والمؤلف والرجل الذي يقول إنه الأصل وزميلة البطولة، كل منهم يملك نسخته من الحكاية، وصاحب الدور الرئيسي غائب لا يستطيع أن يحسم شيئاً. لذلك فالأجدى أن تقرأ كل رواية منسوبة إلى صاحبها وتاريخها، وألا تتعامل مع منشور على فيسبوك أو تصريح في برنامج كأنه حقيقة نهائية. أما ما لا يحتمل الخلاف فهو الشاشة نفسها: شاب حليق الرأس يلاكم في حديقة قصر ثم يعود إلى حارته، وأداء جعل جيلاً كاملاً يقلده. وإذا أردت أن تفهم كيف وصل أحمد زكي إلى هذه المرحلة من مشواره، فاقرأ الفيلم ضمن السيرة الكاملة في تقرير «أحمد زكي: الحكاية الكاملة لـ«النمر الأسود» من يتيم الزقازيق إلى إمبراطور السينما المصرية»، ثم شاهد «النمر الأسود» و«كابوريا» واحداً بعد الآخر، لترى كيف أدى الممثل نفسه دور ملاكمين مختلفين تماماً.