«أفغانستان لماذا؟» فيلم مغربي من إخراج عبد الله المصباحي، أدّت فيه سعاد حسني دور فتاة أفغانية تقاوم الاحتلال السوفيتي، وموّله رجال أعمال سعوديون. صُوّر منه نحو 70% في شمال المغرب، ثم توقف التصوير عندما رفض الجيش المغربي السماح باستخدام آلياته في مشاهد المعارك. بعدها سحب المركز السينمائي المغربي ترخيص المخرج وتحفّظ على المادة المصوّرة، ولم يُعرض الفيلم حتى اليوم.

في 29 مارس 1983 وقّعت سعاد حسني عقد البطولة مع شركة «استوديوهات مصباحي للإنتاج». نصّ العقد على أجر قدره 90 ألف دولار، تتسلّم منه 30 ألفاً عند التوقيع والباقي على ثمانية أقساط أسبوعية، وحدّد مدة التصوير باثني عشر أسبوعاً. أرقام عادية في أي عقد سينمائي، لكن المشروع الذي وقّعت عليه انتهى إلى ساعتين ونصف تقريباً من الشريط الخام، بقيت في خزائن رسمية لأكثر من أربعة عقود.

اليوم، الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، مرّ على توقيع ذلك العقد أكثر من ثلاثة وأربعين عاماً، وعلى وفاة المخرج عشر سنوات، وعلى رحيل سعاد حسني ربع قرن. وفي 21 يوليو 2026 كتبت مجلة الإذاعة والتليفزيون المصرية أن الفيلم ما زال معلقاً ومصيره مجهول. ما الذي جرى في تطوان إذن، ولماذا لم يرَ هذا العمل النور؟

ما قصة فيلم «أفغانستان لماذا؟»؟

فيلم درامي حربي عن الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، كتبه وأخرجه المغربي عبد الله المصباحي في مطلع الثمانينيات، أي والحرب لا تزال مشتعلة. يدور حول أستاذ في جامعة كابول، أدّى دوره الممثل المصري عبد الله غيث، يرفض الاحتلال ويقود مجموعة من المواطنين من كابول إلى بيشاور على الحدود الباكستانية.

تكبر المجموعة في الطريق حتى تصير قوة من مئات الآلاف، ثم تنشب بين أفرادها خلافات على السلطة. أراد المصباحي أن يحكي مقاومة الاحتلال، وأن يحكي معها الانقسام الذي ينخر حركات المقاومة من الداخل. وهذا الشق من الحكاية سبق بسنوات ما عاشته أفغانستان فعلاً من صراع بين فصائل المجاهدين بعد الانسحاب السوفيتي.

أما سعاد حسني فأدّت دور فتاة أفغانية مناضلة ضد الاحتلال. دور بعيد عن صورة «السندريلا» التي عرفها الجمهور في الكوميديا الاستعراضية والدراما الاجتماعية المصرية، وفي إنتاج دولي هذه المرة. ضم طاقم التمثيل اليونانية إيرين باباس، والإيطالي جوليانو جيما، والفرنسي مارسيل بوزوفي، والمغربي حميدو بنمسعود، والمصري محمد حسن الجندي. وتولى إدارة التصوير المصري عبد العزيز فهمي، أحد رواد التصوير السينمائي في مصر، وكان قد صوّر لسعاد حسني عدة أفلام قبل ذلك.

من هو عبد الله المصباحي؟

مخرج مغربي وُلد في مدينة الجديدة سنة 1936، ولقّبه كثيرون بـ«عميد السينما المغربية». درس السينما في مدرسة ESEC بباريس، وتولّى مناصب إدارية في وزارة الإعلام وفي المركز السينمائي المغربي، وهو الجهاز نفسه الذي سيحتجز فيلمه لاحقاً.

أخرج 21 فيلماً روائياً طويلاً، تناول كثير منها القضايا العربية والإسلامية، والقضية الفلسطينية بوجه خاص. ومن أفلامه «أين تخبئون الشمس» و«سأكتب اسمك على الرمال» و«الضوء الأخضر». وكانت صلته بالسينما المصرية وثيقة، فقد عاش مع أسرته سنوات طويلة في القاهرة، ومن هناك استطاع أن يجمع في مشروع واحد أسماء ثقيلة مثل سعاد حسني وعبد الله غيث.

هذه الخلفية تفسّر طموح المشروع. فالمصباحي لم يكن مخرجاً هاوياً يغامر بفكرة كبيرة على قدر إمكاناته، بل رجلاً يعرف الإدارة السينمائية من الداخل، ويعرف كيف يستدعي نجوماً أوروبيين وعرباً إلى بلاتوه واحد. والمفارقة أن معرفته بدهاليز المؤسسة لم تحمِه حين انقلبت عليه.

كرسي المخرج المغربي عبد الله المصباحي في موقع تصوير سينمائي من الثمانينيات
عبد الله المصباحي، مخرج فيلم «أفغانستان لماذا؟» وعميد السينما المغربيةرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

لماذا انتقل التصوير من باكستان إلى تطوان؟

كان المقرر تصوير الفيلم في بيشاور الباكستانية، لكن صعوبات الإنتاج والتصوير في الجبال دفعت المصباحي إلى نقله إلى تطوان في شمال المغرب. وصُوّرت مشاهد أيضاً في المضيق وشفشاون، حيث تمنح التضاريس الجبلية ما يكفي من الشبه بالمشهد الأفغاني.

سنة 1983 سافر المصباحي إلى باكستان للقاء المجاهدين الأفغان وجمع مادة للسيناريو. وبحسب روايته، طرق باب جامعة الدول العربية طلباً للتمويل فرُدّ خائباً، لأنها لم ترد إنتاج فيلم يُغضب السوفييت. فاتجه إلى أصدقاء سعوديين أثرياء، وتذكر منصة «عرب لايت» أن التمويل في بدايته بلغ مليوني دولار.

خطة الفيلم كانت ضخمة بمقاييس السينما العربية آنذاك: نحو ثلاث ساعات على الشاشة، وطاقم دولي، وحشود، ومعارك. والتصوير في المغرب حلّ مشكلة الأمن والكلفة، لكنه جعل المشروع كله معلقاً بموافقة السلطات المحلية على كل خطوة، وخصوصاً الخطوة الأخيرة.

مدينة تطوان وجبال الريف حيث صُوّر فيلم أفغانستان لماذا بدلاً من باكستان
جبال تطوان شمال المغرب، البديل الذي اختاره المصباحي عن باكستان للتصويررسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

لماذا توقف التصوير بعد اكتمال 70% من الفيلم؟

توقف التصوير لأن الجيش المغربي رفض السماح باستخدام آلياته العسكرية في مشاهد المعارك، ولم يوضّح أسبابه. وجاء الرفض في أسوأ توقيت ممكن، فقد صُوّر نحو 70% من الفيلم، أي قرابة ساعتين ونصف من المادة، ولم يتبقَّ إلا مشاهد القتال.

هذه المشاهد بالتحديد تحتاج إلى أسلحة ثقيلة ودبابات وشاحنات عسكرية. شركة إنتاج خاصة لا تملك شيئاً من ذلك، والحل المعتاد في مثل هذه الإنتاجات هو الاستعانة بمعدات الجيش. فلما أُغلق هذا الباب لم يبقَ أمام الفيلم طريق آخر.

لماذا رفض الجيش؟ لا توجد إجابة رسمية موثقة. المصباحي نفسه كان يرى أن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة تدخلا لوقف الفيلم، وقال قبل وفاته إنه تعرّض لضغوط من دول عربية ومن روسيا. لكن هذه رواية المخرج وحده، ولم يظهر حتى الآن دليل موثق يثبتها. وما يمكن قوله بثقة أن فيلماً يهاجم موسكو صراحة، في ذروة الحرب الباردة، كان مشروعاً حساساً لأي حكومة تستضيفه.

ماذا فعل الممولون السعوديون، وأين ذهبت البكرات؟

بعد التوقف أرسل الممولون السعوديون مندوبين إلى المغرب، منهم رجل الأعمال السعودي محمد فوزي القزاز، فاتهموا المصباحي بالخداع ورفضوا استكمال الإنتاج وطالبوا باسترداد أموالهم. بذلك انهار التمويل في اللحظة التي كان الفيلم يحتاج فيها إلى دفعة أخيرة.

ثم جاءت ضربة المؤسسة الرسمية. سحب المركز السينمائي المغربي ترخيص المصباحي كمخرج، وأغلق شركته، وتحفّظ على المشاهد المصوّرة ومنع عرضها. ولم يكن لدى المصباحي نسخة أخرى، فبقيت المادة كلها في خزائن المركز. شريط سينمائي خام من الثمانينيات بلا نسخة احتياطية يعني أن مصير العمل كله صار في يد جهة واحدة.

في تصريحات أدلى بها في أبريل 2015 دافع المصباحي عن نفسه: قال إنه لم يدفع رشوة لأحد، واتهم أطرافاً بأنها كانت تسعى إلى نصيب من ميزانية الفيلم، وقال إن الفيلم حُجز لصالح الممولين السعوديين دون سند قانوني. أما سعاد حسني فلم تعلّق علناً على الفيلم، وإن كانت شائعات عن حياتها الشخصية قد لاحقتها أثناء التصوير في تطوان، ووصفتها مجلة الإذاعة والتليفزيون بأنها مجرد شائعات.

وللقصة ذيل آخر يرويه المصباحي: دُعيت سعاد حسني إلى مهرجان موسكو سنة 1984، ثم سُحبت الدعوة ومُنعت من دخول البلاد حين علم المنظمون بمشاركتها في الفيلم. هذه أيضاً رواية المخرج، لكنها تكشف كيف كان الفيلم يُقرأ سياسياً قبل أن يكتمل.

علب بكرات فيلم أفغانستان لماذا محتجزة داخل خزانة أرشيف رسمية مغلقة
نحو ساعتين ونصف من الشريط الخام بقيت محتجزة لأكثر من أربعة عقودرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

لماذا فشلت محاولات إحياء الفيلم حتى وفاة المخرج سنة 2016؟

فشلت لأن المادة الأصلية لم تخرج قط من يد المركز السينمائي المغربي، ولأن كل محاولة جديدة كانت تحتاج إلى تمويل ضخم وتسوية للنزاع المالي القديم، ولم يتحقق الأمران معاً في أي وقت. ظل المصباحي يطارد فيلمه أكثر من ثلاثة عقود.

في عام 2005 تقريباً أعلن أنه بدأ تصوير جزء ثانٍ، وتسربت أنباء عن وعد بالإفراج عن الفيلم الأصلي. ثم عاد سنة 2013 ليعلن قرب العرض، بعد أن أضاف مشاهد عن طالبان والقاعدة والحرب الأمريكية على أفغانستان وسجن غوانتانامو، وغيّر الاسم إلى «أفغانستان.. الله وأعداؤه». وفي منتصف العقد نفسه نشرت صحيفة «أوجوردوي لو ماروك» المغربية أن الفيلم سيرى النور بعد 32 عاماً، ولم يحدث ذلك.

أنفق المشروع بمرحلتيه أموالاً طائلة، وتتحدث تقديرات صحفية مصرية عن عشرات الملايين من الدولارات، مع اختلاف في تفسير مصدر هذه المبالغ وما تشمله. لكن المال لم يكن العقبة الوحيدة. فالفيلم الذي وُلد ضد السوفييت كان على المصباحي أن يعيد تفسيره في عالم تغيّر تماماً، صار فيه «المجاهدون» القدامى جزءاً من حكاية طالبان والقاعدة. والإضافات الجديدة حاولت سد هذه الفجوة، لكنها حوّلت المشروع إلى عمل مختلف عن الفيلم الذي صُوّر في تطوان.

توفي عبد الله المصباحي يوم 16 سبتمبر 2016 عن نحو ثمانين عاماً، ولم يُعرض فيلمه. وبعد خمس سنوات من التوقف، أنتجت هوليود سنة 1988 الجزء الثالث من «رامبو» بطولة سيلفستر ستالون، وتدور أحداثه في أفغانستان. يرى مقال في «عرب لايت» أنه جاء رداً على فيلم المصباحي، وهذا رأي الكاتب ولا دليل عليه، لكنه يوضح كيف صارت الحكاية مع الوقت مادة للتأويل أكثر منها ملفاً يمكن حسمه.

أهم النقاط

  • «أفغانستان لماذا؟» فيلم مغربي للمخرج عبد الله المصباحي عن الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، وبطولته لسعاد حسني وعبد الله غيث.
  • وقّعت سعاد حسني العقد في 29 مارس 1983 بأجر 90 ألف دولار ومدة تصوير مقررة 12 أسبوعاً.
  • انتقل التصوير من بيشاور إلى تطوان والمضيق وشفشاون بسبب صعوبات الإنتاج في جبال باكستان.
  • صُوّر نحو 70% من الفيلم، أي ساعتان ونصف تقريباً من أصل ثلاث ساعات مخططة.
  • رفض الجيش المغربي إعارة آلياته لمشاهد المعارك دون أن يشرح السبب، فتوقف كل شيء.
  • انسحب الممولون السعوديون وطالبوا بأموالهم، وسحب المركز السينمائي المغربي ترخيص المخرج وتحفّظ على البكرات.
  • محاولتا 2005 و2013، ومعها تغيير الاسم إلى «أفغانستان.. الله وأعداؤه»، لم تنتهيا إلى عرض الفيلم.
  • توفي المصباحي في 16 سبتمبر 2016، والفيلم ما زال حتى صيف 2026 معلقاً ومصيره مجهول.

أسئلة شائعة

هل يمكن مشاهدة فيلم «أفغانستان لماذا؟» على الإنترنت؟

لا. لم يُعرض الفيلم رسمياً في أي وقت، والمادة المصوّرة محفوظة في خزائن المركز السينمائي المغربي منذ التحفظ عليها. وأي مقطع يُتداول على أنه الفيلم الكامل يستحق التعامل معه بحذر.

كم كان أجر سعاد حسني في فيلم «أفغانستان لماذا؟»؟

90 ألف دولار بحسب العقد الموقّع في 29 مارس 1983، تتسلّم منها 30 ألفاً عند التوقيع والباقي على ثمانية أقساط أسبوعية.

من شارك سعاد حسني بطولة الفيلم؟

شاركها المصري عبد الله غيث في دور أستاذ جامعة كابول، ومعهما اليونانية إيرين باباس والإيطالي جوليانو جيما والفرنسي مارسيل بوزوفي والمغربي حميدو بنمسعود والمصري محمد حسن الجندي. وأدار التصوير المصري عبد العزيز فهمي.

أين صُوّر فيلم «أفغانستان لماذا؟»؟

صُوّر في شمال المغرب، في تطوان والمضيق وشفشاون، بعد أن تخلّى المخرج عن خطة التصوير في بيشاور الباكستانية بسبب صعوبة العمل في الجبال هناك.

هل علّقت سعاد حسني على توقف الفيلم؟

لم تعلّق علناً على الفيلم. ومعظم ما يُعرف عن ملابسات توقفه مصدره روايات المخرج عبد الله المصباحي وتقارير صحفية لاحقة.

هل للفيلم علاقة بفيلم «رامبو 3»؟

لا يوجد دليل على ذلك. «رامبو 3» إنتاج هوليودي من سنة 1988 تدور أحداثه في أفغانستان، وربطه بفيلم المصباحي رأي لكاتب في منصة «عرب لايت» وليس حقيقة ثابتة.

الخلاصة

ما يبقى من «أفغانستان لماذا؟» اليوم هو سؤال عن الأرشيف أكثر منه سؤالاً عن السياسة. فالأطراف التي يُنسب إليها إيقاف الفيلم تغيّرت أو اختفت: الاتحاد السوفيتي لم يعد موجوداً، والمخرج رحل، والبطلة رحلت. ومع ذلك تبقى ساعتان ونصف تقريباً من أداء سعاد حسني في أصعب أدوارها، ومن عدسة عبد العزيز فهمي، محبوسة في علب شريط خام لا نسخة غيرها، والشريط الخام يتلف مع الزمن إذا لم يُحفظ في ظروف مناسبة. ولهذا يصبح الطريق العملي لأي إحياء محتمل تسوية قانونية بين ورثة المصباحي والمركز السينمائي المغربي وأي جهة تطالب بحقوق مالية، ثم مشروع ترميم رقمي يعرض المادة كما هي، دون انتظار مشاهد معارك لن تُصوَّر. ومن يتابع الملف لن يجد خبراً يستحق الانتباه قبل أن يعلن المركز السينمائي المغربي بنفسه عن حالة البكرات ومن يملك حقوقها.